هل تضع أوروبا حداً لخطر ترامب على حرية التجارة؟

0 0

كتب/ أيمن بحر
ترامب يفعلها ويفرض الرسوم الجمركية حتى على صادرات حلفائه الأوروبيين من الألمنيوم والصلب، هل تستغل أوروبا الأزمة لإتخاذ موقف موحد يضع حداً لجنوح ترامب نحو حرب تجارية تؤدى الى كساد عالمى ونتائج لا تُحمد عقباها على أحد؟
لا تشكل رسوم ترامب الجمركية العقابية ضد صادرات الصلب والألمنيوم الأوروبية الى السوق الأمريكية صدمة قاسية للإتحاد الأوروبى بسبب قيمتها التى يمكن لأوروبا إستيعابها دون خسائر كبيرة، فالمشكلة تكمن فى أن الرسوم التى تشمل صادرات بقيمة 27 مليار يورو سنوياً طالت حلفاء إستراتيجيين للولايات المتحدة على مدى عقود.
غير أن ترامب الذى أسرته السلطة والأنانية فعلها ضد حلفائه الأوروبيين غير آبه بردود الأفعال حتى داخل الولايات المتحدة الأمريكية التى ترتفع الأصوات فيها ضد هذه الرسوم التى تضر بقطاعات أقوى وأوسع من قطاع الصلب والألمنيوم الذى لايعد من القطاعات الوازنة فى الولايات المتحدة مقارنة بقطاع السيارات والطائرات والآلات والتجهيزات، التى تعتمد على الصلب والألمنيوم المستورد على نظاق واسع، فمع فرض الرسوم سترتفع تكاليف الإنتاج التى سيتحمل عبئها المستهلك الأمريكى وسيتراجع قطاع الصادرات الأمريكية مع هذا الإرتفاع، الأمر الذى سيؤدى على المدى الطويل الى عكس ما يريده ترامب، الا وهو إعادة التوازن الى الميزان التجارى الأمريكى الخاسر مع الدول التى فرض الرسوم ضدها.
ردود الأفعال الأوروبية جاءت رافضة للرسوم ومهددة برسوم مماثلة قيل أنها تشمل الويسكى والجينز والموتورات المستوردة من ولايات أمريكية يحكمها الجمهوريون المؤيديون للرئيس ترامب، وتهدف هذه العقوبات الى دفع حكام هذه الولايات الى الضغط على ترامب لثنيه عن موقفه، غير أن تجربة الأشهر الماضية تشير الى أن الأخير لايأبه للضغوط عندما يقرر فعل شئ.
في حال شملت الرسوم السيارات الألمانية، فإن ذلك يعنى ضربة موجعة لألمانيا التى تصدر سنوياً حوالى نصف مليون سيارة يرتبط بها عشرات الآلاف من أماكن العمل.
ومن هنا تخشى دول الإتحاد الأوروبى وفى مقدمتها المانيا من أن تأخذ المشكلة أبعاداً إنتقامية بحيث يلى كل رد فعل على قرارات ترامب خطوات مماثلة من قبله بشكل يفتح الباب على مصراعيه أمام حرب تجارية تقود الى حرب إقتصادية تهدد بحدوث كساد عالمى لا تحمد عقباه على الجميع، وقد كان ترامب واضحاً بهذا الخصوص عندما هدد بتوسيع نطاق فرض الرسوم الجمركية لتشمل السيارات الألمانية وفي مقدمتها مرسيدس في حال لم يقدم الأوروبيون عرضاً لتخفيض رسومهم الجمركية على المنتجات الأمريكية كالسيارات والأغذية وغيرها.
وفى حال شملت الرسوم السيارات الألمانية، فإن ذلك يعنى ضربة موجعة لألمانيا التى تصدر سنوياً حوالى نصف مليون سيارة يرتبط بها عشرات الآلاف من أماكن العمل التى تساهم فى رفد الميزانية الألمانية بعشرات المليارات من الضرائب والفوائض التجارية، وتحقق المانيا أعلى فائضاً تجارياً على الصعيد الأوروبى مع الولايات المتحدة، بقيمة وصلت الى 50 مليار يورو فى عام 2017 من أصل 121 مليار يورو لمجمل الفائض الأوروبى.
يفسر قوة العلاقات الإقتصادية بين المانيا والولايات المتحدة ردود الأفعال الألمانية الأقل حدة من نظيرتها الأوروبية على رسوم ترامب، حتى أن بعض ممثلى الإتحادات الصناعية طالبوا الحكومة الألمانية بالعمل على تكثيف المفاوضات الهادفة الى حل وسط، ومما يعنيه ذلك قيام الإتحاد الأوروبى بتخفيض الرسوم الجمركية الأوروبية على الواردات الأمريكية وفى مقدمتها المنتجات الزراعية واللسيارات.
الجدير ذكره أن الرسوم الأوروبية على السيارات الأمريكية تصل إلى 10 بالمائة مقابل 2.5 بالمائة تفرضها الولايات المتحدة على السيارات الأوروبية، بموازاة ذلك جاء رد الفعل الفرنسى أكثر قوة مقارنة بنظيره الألمانى، فالرئيس ماكرون وصف إجراء الولايات المتحدة بأنه “قومية إقتصادية وتجارية” قد يغلق الباب أمام مناقشة قضايا أخرى مع واشنطن ويقود الى الحروب فى إشارة الى الحروب المدمرة التى قادت اليها القوميات السياسية والسوفينية فى أوروبا وخارجها أيام الحقب الإستعمارية.
ومع بقاء التصور الفرنسى أحد السيناريوهات الممكنة، فإن الإجراء الأمريكى فى كل الأحوال يقوى النزعة الحمائية على حساب ليبرالية التجارة العالمية التى لاتخلو بدورها من إجراءات حمائية إنتقائية تفرضها حتى أوروبا نفسها على السيارات الصينية وغيرها، أما على المدى الطويل، فإن إجراءات ترامب قد تشكل كذلك فرصة للجلوس على طاولة مفاوضات فى إطار منظمة التجارة العالمية بهدف إعادة هيكلة التجارة العالمية بشكل أكثر توازن وعدالة بعيداً عن الإحتكار والهمينة.
وفي حال تمكن الإتحاد الأوروبى من إتخاذ موقف موحد بهذا الخصوص، فإن هذه الفرصة تصبح أكثر واقعية نظراً لعلاقاته الكثيفة والمتشابكة مع غالبية دول العالم والقوى التى تدافع عن ليبرالية التجارة العالمية حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، غير أن السؤال التى تصعب الإجابة عليها الآن هو: هل تتمكن أوروبا من إتخاذ هذا الموقف والنجاح فى الإمتحان الذى فرضته إجراءات ترامب عليها؟
أحد الأسئلة التى تطرح نفسها هنا، ماذا بشأن تأثير رسوم ترامب على الدول العربية؟ بالطبع ليست هذه الدول عموماً فى طليعة الأسواق المنتجة والمصدرة للحديد والألمنيوم، أما الدولتان اللتان تصدران المنيوم بما يزيد على 2 مليار دولار سنوياً وهما الإمارات والبحرين، فإن غالبية هذه الصادرات لا تذهب الى السوق الأمريكية.
وعليه فإن تأثر الدول العربية بقرارات ترامب محدود على صعيد التصدير، أما فيما يتعلق بإستهلاك الدول العربية من الصلب والألمنيوم فمن المتوقع تأثره بشكل إيجابى فى المدى المنظور، ويعود سبب ذلك الى أن كبار الدول المنتجة كالصين والإتحاد الأوروبى وروسيا وغيرها سوف تتنافس بشكل أكبر فى الأسواق العربية بشكل يؤدى الى إنخفاض الأسعار وتقليص فاتورة الإستيراد.
ومما يعنيه ذلك أيضاً تراجع تكلفة المنتجات العربية التى تستخدم الصلب والألمنيوم بشكل يجعلها فى متناول المستهلكين كأفراد وكشركات بشكل أسهل وأنسب، وتشكل الدول العربية جزءاً هاماً فى منظومة التجارة العالمية على صعيد الطاقة، ففى حال إتجه العالم الى الحمائية وعانت التجارة العالمية من الكساد فإن ذلك سينعكس سلباً على صادرات النفط والغاز التى تشكل العمود الفقرى للصادرات العربية.

اترك تعليقاً

CLOSEX
عــاجل