دراسة تؤكد: العادات الشعبية مصدرًا استراتيجيًا لتحقيق التنمية المستدامة | جريدة اخر الاسبوع

دراسة تؤكد: العادات الشعبية مصدرًا استراتيجيًا لتحقيق التنمية المستدامة

متابعة / ممدوح السنبسى

كشفت دراسة حديثة للدكتور أحمد سعد جريو، والمعنونة: “العادات الشعبية والتنمية المستدامة (المفاهيم ــ الأهداف ــ الآثار)”، عن وجود ارتباط وثيق بين مفاهيم العادات الشعبية ومفاهيم التنمية المستدامة.
وأكدت الدراسة التي قدمت فى ملتقى القاهرة الدولي السابع للتراث الثقافى غير المادي، أن للعادات الشعبية دور واضح في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وأنه توجد علاقة تأثير وتأثر بين العادات الشعبية والتنمية المستدامة بالإضافة إلى أن هناك آثار ايجابية وأخرى سلبية للعادات الشعبية على التنمية المستدامة.

وأوضح “جريو” أنه يمكن أن تسهم العادات الشعبية بفاعلية في كل بعد من الأبعاد الثلاثة للتنمية المستدامة. ويمكن للعادات الشعبية بوصفها تراثا حيا أن تكون مصدرا رئيسيا للابتكار من أجل التنمية، كما أن المضامين التي تحملها العادات الشعبية تستطيع أن تعزز التنمية المستدامة والارتقاء بها من خلال استخدامها في تطوير السياحة الثقافية والنهوض بالزراعة المستدامة كقطاعات تحقق عائدا اقتصاديا وطنيا .

أضاف أن العادات الشعبية ـ على تنوعها ـ معينا ثريا ومنيعا حصينا لمزيد من البحوث والدراسات وذلك لمرونتها وتشابكها مع عديد من عناصر التنمية المستدامة وتوافقها أو العكس مع طبيعة الزمان والمكان وارتباطها المباشر بكل عناصر الطبيعة والتفاعل اليومي لتلبية حاجات المجتمع وتحقيق التنمية المستدامة لارتباطها الوثيق بها.

وحول مفاهيم العادات الشعبية المرتبطة بالتنمية المستدامة، أشار الدكتور أحمد سعد جريو، إلى أن العادات الشعبية : هي تلك السلوك الجمعي الذى تتفق كل جماعة على أهمية التزام أفرادها بتنفيذه، ويلقى المقصر في الأداء عقابا من الجماعة يتناسب مع مدى الجرم الذى يترتب على عدم تنفيذه . ويتخذ كل فرد مكانته بين أفراد جماعته من خلال المدى الذى يلتزم به، كما يؤكد هذا المدى من الالتزام على رضا الفرد وقناعته وقبوله للانتساب لجماعته كما أن العادة الشعبية ترتكز على تراث يقذيها ويؤكد على حاجة أفراد الجماعة إليها من خلال الوظائف التي تؤديها لهم . كما أن العادة تسعى دوما للتوافق مع طبيعة الزمان الذى تتحرك منه والمكان الذى تتحرك إليه، والبشر الذى تتحرك بينهم.

أضاف “جريو” أن هذا الفهم يأتي في ضوء رؤية عبدالحميد يونس للتراث الشعبي بأن حركة عناصر وموضوعات التراث الشعبي عبر الأزمان التاريخية، هي حركة مرنة، وأن من أهم سمات التراث الشعبي الاحتفاظ بما يتفق مع التطور والاستغناء عما تلفظه، وتعديل ما يستحق التعديل … ولما كان اختيار عناصر التراث لا يتحقق إلا بالتيقن من قدرته على القيام بوظائفه أو عجزه عن الاستمرار والتطور . فإن هذا القوام الثقافي لا يمكن أن يكون أعضاء أثرية أو متخلفة ، وتكمن المشكلة في سرعة التغير بعد أن أخذت الأفراد والجماعات والشعوب تتطور بخطى متزايدة السرعة دائما. كما يرى محمد الجوهري أن العادات الشعبية : هي مشكلة معاصرة ذات صلة مباشرة بواقعنا فهي قطعة من ذواتنا ومن واقع حياتنا، طالما كنا نعيش في مجتمع أنساني ولذلك نستطيع تناول العادات في وجودها الراهن، وانطلاقا من الحاضر.

وقال الدكتور أحمد سعد جريو: لن نستطيع أن نفهم العادات الشعبية بمعناها الواسع فهما كاملا ومنصفا إلا إذا نظرنا إليها كتعبير من واقع إنساني اجتماعي يتخذ من العالم الواقعي موقفا معينا، قد يتفق مع موقفنا وقد يختلف معه في كثير من الحالات فهذه النظرة هي الكفيلة بوصولنا إلى فهم سليم لطبيعة العادات الشعبية. وهذا يؤكد لنا أن مفهوم العادات الشعبية ليس قالب جامد لا يقبل التعديل أو التغيير أو مسايرة العصر . بل هو مفهوم مرن يدعو إلى التعايش ومسايرة العصر .

وتناولت الدراسة “التنمية المستدامة”، وقال الدكتور أحمد سعد جريو، أن مصطلح المستدامة يرجع في اللغة اللاتينية القديمة إلى كلمة sustener والتي تعنى الحفاظ والاحتفاظ بالشيء وصيانة استخدامه للإبقاء عليه وترجع أصول المصطلح إلى القرنيين الثامن عشر والتاسع عشر . والاستدامة كما أوضحها “محمد فتحي عبد الغنى” تشمل مفهوما اجتماعيا أوسع حيث تستخدم الاستدامة كمفهوم اجتماعي مادى اقتصادي يتعلق بمستوى الرفاهية الاجتماعية والرفاهية الفردية الذى يجب الحفاظ عليه وتطوره. لذلك لا يمكن فصل التنمية المستدامة عن التطور الكامل للمجتمع، وأن مصطلح الاستدامة له جذور عريقة في الأدبيات الاقتصادية، وقد نشأ وانتشر استخدامه مع تطور النشاط الاقتصادي والاجتماعي.

واستعرضت الدراسة؛ العوامل المشتركة بين العادات الشعبية والتنمية المستدامة، وأشار الدكتور أحمد جريو، انه يمكن القول أن هناك عوامل مشتركة بين مفاهيم العادات الشعبية والتنمية المستدامة و منها: أن كلا من مفهوم العادات الشعبية والتنمية المستدامة يسعى إلى التوافق مع طبيعة الزمان والمكان . وأن كلا من مفهوم العادات الشعبية والتنمية المستدامة مرتبط بالتراث والتطور . وأن كلا من مفهوم العادات الشعبية والتنمية المستدامة لا يتحقق إلا بالقدرة على القيام بوظيفته والاستمرار والتطور . وأن كلا من مفهوم العادات الشعبية والتنمية المستدامة لا ينظر إليهما إلا من منظور أنساني اجتماعي . وأن كلا من مفهوم العادات الشعبية والتنمية المستدامة مفهوم مرن يدعو إلى التعايش ومسايرة العصر . وأن كلا من مفهوم العادات الشعبية والتنمية المستدامة يتعلق بمستوى الرفاهية الفردية والرفاهية الاجتماعية.

وحول الأهداف المشتركة بين العادات الشعبية والتنمية المستدامة، قال الدكتور أحمد سعد جريو، ان اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي تعترف بأهمية التراث الثقافي غير المادي بوصفه بوتقة للتنوع الثقافي وعاملا يضمن التنمية المستدامة“. وتمثل خطة التنمية المستدامة لعام 2030 خطة عمل تتناول الأبعاد الثلاثة –الاقتصادية والاجتماعية والبيئية – للتنمية المستدامة من خلال أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر بوصفها حقول عمل مترابطة ترابطا متينا تقدم معلومات يُسترشد بها في مسارات التنمية على جميع المستويات، وتحترم المبادئ الأساسية الثلاثة المتمثلة في حقوق الإنسان والمساواة والاستدامة.

وقال “جريو” إن التنمية المستدامة لا تتحقق من دون توفير الأمن الغذائي المستدام، والرعاية الصحية الجيدة، والحصول على المياه الآمنة والصرف الصحي، والتعليم الجيد للجميع، ونظم الحماية الاجتماعية الشاملة، والمساواة . ويجب أن تكون هذه الأهداف مدعمة بحوكمة شاملة وقائمة على حرية الأشخاص في اختيار نظم القيم الخاصة بهم .

وأكد أن المجتمعات البشرية شهدت تطورا على تكييف تراثها الثقافي غير المادي، بما في ذلك معارفها وممارساتها المرتبطة بالطبيعة، فضلا عن ممارساتها الاجتماعية، بهدف تلبية احتياجاتها الأساسية ومعالجة قضاياها الاجتماعية في الزمان والمكان.

واستعرضت الدراسة آثار العادات الشعبية على التنمية المستدامة، وأشارت إلى أن معوّقات التنمية في الدُول النامية ينبغي أن يكون هناك تعاون بين الحكومة وأفراد المجتمع لتحقيق التنمية بهدف تحسين كافة الأوضاع الاجتماعيّة والاقتصاديّة وأيضاً الثقافية في المجتمع، لذلك نجد أنّ هناك تفاوت في القدرة على تحقيق التنمية فالدول المتقدمة أصبحت على ما هي عليه بفضل تحقيقها للتنمية على أفضل وجه، بينما في الدول النامية لا زال هناك معوّقات تحُد من وصولها إلى تحقيق التنمية المرجوة، مما جعلها من الدُول المتأخرة في الكثير من المجالات، وهذه المعوّقات منها: المعوّقات الاجتماعيّة، حيث نجد ثقافة العيب، وهي تتمثل في كره المجتمع لبعض الوظائف كالنجارة، والحدادة، والزراعة، وعامل النظافة، حيثُ يخجل الفرد من العمل بهذه الوظائف خوفاً من نظرة المجتمع الساخرة له.

ومن المعوّقات الاجتماعيّة: الجهل وقلة المعلومات لدى العديد من أفراد المجتمع. ووجود بعض العادات والتقاليد السلبية مثل عدم احترام القانون في الكثير من المشاكل الاجتماعية، والوقوف في وجه الفتاة التي تريد أن تكمل تعليمها الجامعي بشكل خاص.

وذكرت الدراسة أن هناك آثار ايجابية وأخرى سلبية للعادات الشعبية على التنمية المستدامة منها : الأثار الايجابية للعادات الشعبية على التنمية المستدامة، وتشمل المحافظة على الأخلاق في المجتمع . حيث تحرص العادات الشعبية من خلال الموروثات الشعبية على نشر القيم الايجابية والأخلاق الحميدة بين أفراد المجتمع لتتكون لديهم اتجاهات تحفظ الود والتماسك فيما بينهم وهذا يحقق للتنمية المستدامة أهدافها فيما يتعلق بتحقيق الرفاهية للفرد والمجتمع ، فلا تتحقق الرفاهية لمجتمع لا يحافظ على الأخلاق العامة والقيم الايجابية فيما بينه . وتشمل أيضا التماسك بين أفراد المجتمع ، مما يدفع الجهود إلى الأمام ويحقق التنمية المستدامة المستهدفة، وكذلك الخبرات الحياتية التي تبرزها الأمثال الشعبية والحكي تساهم في بناء الإنسان معنويا وماديا.

وتناولت الدراسة، الآثار السلبية للعادات الشعبية على التنمية المستدامة: ومنها إعاقة التقدم المجتمعي : ففي كثير من الأحيان يمتنع أفراد المجتمع عن فعل أمر ما لأنه في نظرهم يعارض العادات والتقاليد ، مثل بعض المجتمعات التي تمنع عمل المرأة أو مشاركتها في الأعمال التطوعية وغيرها من الأمور .ومثل هذه الأمور يمثل عائقا أمام تحقيق التنمية المستدامة .

كما تشمل : الفجوة بين المجتمع وما وصلت إليه الحضارة العالمية : فالإنسان في حال تمسك بعادات بالية بلا مبرر أو سبب منطقي لهذا ، فإن هذا التمسك اللاعقلاني سيكون سببا لرفضه كل التحديثات التي يجريها العلم أو التي تطرأ على الساحات الدينية والعلمية والنفسية والاجتماعية وغيرها ، فيبقى دائما في آخر الركب حبيس الافكار القديمة التي ورثها عن أجداده وبذلك تكون العادات الشعبية عائقا أمام تحقيق التنمية المستدامة.

وتوصلت الدراسة إلى عدة نتائج هامة لخصها الدكتور أحمد سعد جريو، في النقاط التالية:
1 ـ أن العادات الشعبية ترتبط في مفاهيمها ارتباطا وثيقا بمفاهيم التنمية المستدامة .
2 ـ للعادات الشعبية دورا واضحا في تحقيق اهداف التنمية المستدامة .
3 ـ للعادات الشعبية آثار ايجابية وأخرى سلبية على التنمية المستدامة .
4 ـ توجد علاقة تأثير وتأثر بين العادات الشعبية والتنمية المستدامة .

وأكد الدكتور أحمد جريو: يمكن أن يسهم التراث الثقافي غير المادي ومنها العادات الشعبية بفعالية في كل بعد من الأبعاد الثلاثة للتنمية المستدامة، وكذلك في مطلبي السلام والأمن بوصفهما مطلبين أساسيين للتنمية المستدامة. فكيف يمكن الوقوف على الطريقة المثلى لفهم المكانة التي يشغلها التراث الثقافي غير المادي في التنمية المستدامة بحيث يتسنى الاعتراف بمساهمات هذا التراث في التنمية المستدامة وتحقيقها تحقيقا تاما .

ويمكن للعادات الشعبية بوصفها تراثا حيا أن تكون مصدرا رئيسيا للابتكار من أجل التنمية حيث تبتكر الشعبية باستمرار حلولا لمواجهة التغيير ، وتعد العادات الشعبية مصدرا استراتيجيا لتحقيق التنمية المستدامة ، فيمكن ابتكار مواد جديدة ملائمة لتلبية الاحتياجات القديمة عندما تكون بعض المواد الخام نادرة أو غير متوافرة، في حين تلبى المهارات القديمة الاحتياجات الناجمة عن التحديات الجديدة ، مثلما يجرى تكييف أنظمة النقل الثقافي التي ثبت جدارتها عبر الزمان مع تكنولوجيات المعلومات والاتصال .

أضاف “جريو”: تستطيع المضامين التي تحملها العادات الشعبية أن تعزز التنمية المستدامة والارتقاء بها من خلال استخدامها في تطوير السياحة الثقافية والنهوض بالزراعة المستدامة كقطاعات تحقق عائدا اقتصاديا وطنيا .

مصر الطقس من أخر الأسبوع