هل تصبح المانيا المركز الجديد لحركة غولن؟

0 1

اللواء/ رضا يعقوب
مع/أيمن بحر
تواجه حركة الداعية الإسلامى فتح الله غولن بعد فشل المحاولة الإنقلابية في تركيا ضغوطاً فى كل أنحاء العالم، لكن نشاطها فى ألمانيا في تزايد تتعقب آثار الحركة فى المانيا: مؤسساتها وأفرادها وأنصارها.
تتهم الحكومة التركية ما تُسمى حركة “خدمة” التابعة للداعية الإسلامى فتح الله غولن بالوقوف خلف المحاولة الإنقلابية فى 15 من تموز/يوليو 2016 التى قُتل فيها أكثر من 290 شخصاً، وتوجد عدة قرائن على مشاركة الحركة فى تلك المحاولة الإنقلابية، الا أن الحكومة التركية لم تقدم الى يومنا هذا دلائل قاطعة على ذلك التورط.
لكن المؤكد هو أن أنصار حركة غولن كانوا متغلغلين فى جهاز الدولة التركية ويستفيدون من مواقعهم ـ وظلوا على هذا النحو بقبول من حزب العدالة والتنمية الحاكم الى أن وقع خصام بين الرئيس رجب طيب أردوغان وفتح الله غولن المقيم فى الولايات المتحدة الأمريكية.
وبعد المحاولة الإنقلابية حصلت حملة تطهير لا مثيل لها فى تركيا: حوالى 100 الف شخص تم تسريحهم من الوظائف الحكومية وتم إعتقال 40 ألفاً آخرين، وغالبيتهم كانوا أعضاء مفترضين أو فقط متعاطفين مع حركة غولن، وأُجبر عشرات الآلاف على الهرب من البلاد، والكثير من المدارس المقربة من غولن الموزعة فى أماكن كثيرة من العالم وعددها نحو 800 مدرسة فى 150 بلد أُجبرت ليس فقط فى تركيا على الإغلاق، بل فى بلدان إسلامية أخرى مثل كوسوفو وماليزيا، وجرى بضغط من الحكومة التركية إغلاق تلك المدارس وطرد المعلمين.
فى المقابل تنعم حركة غولن فى المانيا بتعاطف كبير فى وسائل الإعلام والسياسة وحتى لدى الكنائس الكبرى، كما بينت تحريات، فى المقام الأول يُنظر لأنصار الحركة كضحايا لأردوغان، وخضوع هؤلاء الأنصار للإيديولوجية التى يروج لها فتح الله غولن لا يلعب أى دور خاص، فبالنسبة الى مدير الإستخبارات الخارجية الألمانية (BND)، برونو كال، يتعلق الأمر فقط “بجمعية مدنية للتكوين الدينى والعلمانى”، وتذكر السفارة الألمانية فى أنقرة فى تقرير عن مصادر تركية تفيد بأن “الجزء المتآمر للحركة يتضح من خلال هيكل هرمى صارم ويذكر فى بنيته بشكل ما من أشكال الجريمة المنظمة”، لكن ليس من الواضح ما إذا كانت الحكومة الألمانية ستتبنى هذه الرؤية، لكنها تعترف على إثر طلب إحاطة برلمانى بأن “بنية حركة غولن غير شفافة”.
هذه اللآمبالاة يجسدها أيضاً جهاز الإستخبارات الداخلية الألمانى: بإقتراح من وزير الداخلية فى ولاية راينلاند-بفالز عكفت فى 2014 مجموعة عمل لعدة فروع للمخابرات الداخلية فى الولايات الألمانية على مراقبة الحركة، وتوصلت الى نتيجة “أنه لا توجد أدلة كافية على وجود تطلعات معادية للدستور”، لكن فى نفس الوقت تبين على إثر معلومات من وزارة الداخلية فى راينلاند-بفالز خلال التحقيق أن كتابات غولن تحتوى “على فقرات تحتاج الى البحث فيها بعين نقدية، من بينها حرية المعتقد، ومجال تطبيق الدين فى الحياة العامة، والموقف من الملحدين”.
وكان جهاز الإستخبارات فى ولاية بادن فورتمبرغ قد نشر فى تموز/يوليو 2014 تقريراً مفصلاً بملاحظات إنتقادية حول غولن على موقعه الإلكترونى، وبعد المحاولة الإنقلابية تم سحب التقرير من الموقع، وجواباً على سؤال أوضح جهاز المخابرات أن التقرير لم يكن أبداً موجهاً الى الرأى العام، أن يظل تقرير حساس من الناحية السياسية طوال سنتين على الموقع الإلكترونى دون أن يلاحظ أحد فى المؤسسة هذا الخطأ لا يبدو جواباً يمكن تصديقه، وتفسير مقبول يأتى فى المقابل من كتلة الحزب المسيحى الديمقراطى فى بادن فورتمبرغ يفيد بأن جهات حكومية تركية حثت الجانب الألمانى بعد المحاولة الإنقلابية إستناداً الى التقرير حول حركة غولن على التحرك ضد الحركة.
وتتهم البرلمانية من حزب اليسار، أولا يلبكه، الحكومة الألمانية بـ”حماية” حركة غولن، وحتى الأعضاء الذين من المحتمل أنهم إرتكبوا جرائم فى تركيا، وقدمت العضو فى لجنة الشئون الداخلية فى البرلمان، وبشكل متكرر، عدة طلبات إحاطة بما يخص التعامل مع الحركة، لكن يربكه ترفض تسليم عناصر من الحركة الى تركيا، لأن المتهمين لن يتلقوا محاكمات عادلة هناك، “لكن يمكن محاكمتهم هنا”، حسب ما ترى السياسية اليسارية.
وتدعى تركيا أن العديد من المسئولين عن المحاولة الانقلابية فى صيف 2016 هربوا الى المانيا، وفى منتصف تموز/يونيو نشرت صحف تركية عنوان منزل فى حى نويكولن البرلينى، حيث يقيم فيه أحد المخططين المفترضين للإنقلاب: عادل أوكزوس الذى يقال أنه “كإمام لسلاح الجو” أصدر أوامر لضباط موالين له للتحرك فى المحاولة الإنقلابية الفاشلة، وتكشف تسجيلات عن وجوده فى ليلة الإنقلاب فى قاعدة لسلاح الجو بالقرب من أنقرة، وتطالب الحكومة التركية بتسليمه، وتعلن الحكومة الألمانية رسمياً أنها لا تعلم ما إذا كان عادل أوكزوس يوجد فى المانيا، لكن تم فتح تحقيقات بالأمر، وقال شخص يسكن فى المنزل بأنه قابل رجلاً فى المنزل يشبهه كثيراً، وتفيد صحيفة “فرانكفورتر روندشاو” أن أوكزوس نقلته السلطات الى مكان آمن.
وتنفى حركة غولن التورط فى أى جرائم عنف، وتقول أنها تنشط فقط فى مجالات الحوار والتعليم، ولكن حتى فى المانيا خسرت الحركة بعد المحاولة الإنقلابية الكثير من المساندين، وثلاثة من 30 مدرسة تابعة لغولن أغلقت أبوابها، لأن الآباء الأتراك سحبوا أبناءهم منها، كما تم حلّ حوالى 85 من أصل 170 مؤسسة تقدم دروس تقوية للطلاب والتلاميذ، لكن هذا التوجه يتغير ببطئ، إذ تمكنت ثانوية فى برلين من رفع عدد تلاميذها مجدداً.
تستفيد هذه المؤسسات من آلاف أعضاء الجماعة الدينية الهاربين الى المانيا من تركيا، بينهم موظفون حكوميون سابقون ومعلمون ورجال أعمال، ففى عام 2017 وحده قدم نحو 8000 مواطن تركى طلب الحصول على اللجوء، وفى الشهور الثلاثة الأولى لهذا العام نحو 2000، وهؤلاء القادمون الجدد يلقون الرعاية من جمعيات ومؤسسات مقربة من غولن، هناك يحصلون على المشورة القانونية والمساعدة للإلتحاق بدروس اللغة وإيجاد فرص عمل ومنازل للسكن، ونسبة الإعتراف بحق اللجوء لهؤلاء، حسب ما تقول الحركة، عالية، ففى برلين تصل الى نحو 90 فى المائة.
وفى مقابلة مع القناة الأولى للتلفزة الألمانية حذر عضو سابق فى مع هذه “الطائفة”، فهى تملك “بنية هيكيلية موازية سرية”، “الشكل الخارجى” لا يتطابق مع الواقع: “ليس مجالس إدارة النوادى والجمعيات، بل الأئمة هم من يملكون السلطة، وهؤلاء الأئمة ينحدرون من تركيا ويتم نقلهم تحت ذرائع مختلفة الى المانيا، كصحفيين أو محاسبين، ويمكثون نحو ثلاث سنوات هنا”.
وتعتزم حركة غولن مواجهة الإتهامات فى المانيا بمزيد من الشفافية، ولاسيما “جمعية الحوار والتعليم” مع رئيسها إركان كاراكويون تجتهد منذ الإنقلاب للترويج فى وسائل الإعلام الألمانية لصورة لحركة غولن كمشروع مضاد لنظام اردوغان، ويقول كاراكويون بأن قيمها الدينية متوافقة مع الغرب.
لكن هذا ما يشكك فيه الكثير من الخبراء، فتح الله غولن لم يكن أبداً إصلاحياً، يقول فريدمان أيسلير من المركز الرئيسى البروتستانتى لقضايا العقيدة، فالحوار مع غير المؤمنين ليس الا وسيلة للوصول للهدف.
وحتى الكنائس فى المانيا لا تجد مشكلة فى التعامل مع حركة غولن، ودار هردر للنشر الكاثوليكية تصدر منذ سنوات كتباً من تأليف فتح الله غولن وأنصار، وليس عجبا أن يقول إركان كاراكويون: “المانيا فى طور التحول الى مركزنا الجديد”.

اترك تعليقاً

CLOSEX
عــاجل