البيئـة والتربيـة وعلاقتهما بالإنسان

البيئـة والتربيـة وعلاقتهما بالإنسان

كتب: د.ياسر عطالله

قبل مناقشة العلاقة بين البيئة والتربية ،نود الإشارة إلي أنه لن نلجأ إلي الدراسات البيئية في تخصصاتها المختلفة إلا بهدف توظيف النتائج لأن ” الدراسات البيئية تقتصر علي معلومات وحقائق بيئية في مجالات تخصصية مختلفة ، دون توجيه الاهتمام لتعديل أنماط السلوك ومن الضروري عرض لبعض تعاريف البيئة بهدف التوصل إلي مفهوم التربية البيئية ، وتحديد العلاقة بين التربية والبيئة ومن هذه التعاريف للبيئة ” أنها المنظمومة التي تضم كل العناصر الطبيعية و الحياتية والتي توجد حول الكرة الأرضية وعلي سطحها وفي باطنها ،والهواء ومكوناته والطاقة ومصادرها والمياه، وسطح التربة وما يعيش عليها وبداخلها من نبات وحيوان ، والإنسان بثقافاته وعلاقاته الاجتماعية ،وبعرفها معجم العلوم الاجتماعية بأنها” العوامل الخارجية التي يستجيب لها الأفراد والمجتمع بأسره استجابة فعلية أو استجابة إجمالية مثل العوامل الجغرافية ، والمناخية كالحرارة والرطوبة ، والعوامل الثقافية التي تؤثر في حياة الفرد والمجتمع وتشكلهما وتطبعهما بطابع معين وتعرف أيضاً بأنها” الوسط المحيط بالإنسان ، والذي يشمل الجوانب المادية وغير المادية، البشرية وغير البشرية ، فالبيئة تعني ما هو خارج كيان الإنسان”(أرناؤوط، 1994،ص7)، ومن هذه التعاريف يمكن أن نخلص إلي: أن البيئة ذات بُعدين ، بعد قيزيقي ويشمل ما يحيط الإنسان من مظاهر طبيعية ، وبعد اجتماعي يشمل كل علاقات الإنسان وثقافاته وتفاعلاته، والعلاقة بين البُعدين نجد فيها”أن البيئة الطبيعية تمارس تأثيرها علي الظواهر الاجتماعية بشكل مباشر وغير مباشر، فإن الأساس المادي هو الذي يوجد الظواهر الاجتماعية ويضمن لها الاستمرار “(خمش،1999،ص64)، يتضح من هذا أن هناك تأثير وتأثر متبادلان بين البُعد الفيزيقي والبُعد الاجتماعي للبيئة، فالبيئة الطبيعية تؤثر علي نوعية نشاط الإنسان ، فالبيئة تحدد نوع النشاط الاقتصادي الذي يمارسه الإنسان، وكذلك علاقاته الاجتماعية ، فالترابط الاجتماعي في البيئة الريفية يقابله التباين الاجتماعي في البيئة الصناعية،والإنسان باعتباره الوحدة الأساسية للبيئة الاجتماعية يؤثر في البيئة الطبيعية كما يتأثر بها ، وهذا التأثير إما بالسلب أو الإيجاب، وثقافة إنسان العصر العلمية والتكنولوجية كان لها أثرها السلبي علي البيئة الطبيعية،”لأن الإنسان بدلا من أن يستفيد من التطور العلمي والنمو التكنولوجي لتحسين نوعية حياته وبيئته الطبيعية ، أصبح ضحية لهذا النمو الذي أفسد البيئة الطبيعية وجعلها في كثير من الأحيان غير ملائمة لحياته”

بالنظر إلي تعاريف البيئة وأبعادها تبرز أهمية التربية وعلاقتها بالبيئة، فالإنسان هو الذي يؤثر في البيئة ويتأثر بها ، والإنسان هو موضوع التربية ومادتها ، والتربية هي القادرة علي توجيه سلوك الإنسان واتجاهاته نحو البيئة ، وكذلك تهيئته للتكييف مع الظروف البيئة المحيطة به، واستغلال البيئة الاستغلال الأمثل ،ولهذا فأن “التربية البيئية عملية تكوين القيم والاتجاهات والمهارات والمدركات اللازمة لفهم وتقدير العلاقات المعقدة التي تربط الإنسان وحضارته بمحيطه الحيوي الفيزيائي والتدليل علي حتمية المحافظة علي المصادر البيئية الطبيعية وضرورة استغلالها الرشيد لصالح الإنسان حفاظا علي حياته الكريمة ورفعا لمستوى معيشته” مطاوع،1995،ص12)، ومما زاد من أهمية التربية البيئية في العصر الحالي ، ما لحق بالبيئة من أضرار جراء السلوك السلبي للإنسان تجاهها ، وفي مصر والدول النامية تزداد أهمية التربية البيئية ،لأن التنمية التي تسعى إليها الدول النامية ومن بينها مصر ، تُعد “المحافظة علي البيئة بُعد لازم من أبعاد هذه التنمية حيث ينبغي الربط والتنسيق بين الأهداف والاستراتيجيات التي تتعلق بالبيئة ، وتلك التي تتعلق بالتنمية فإن استراتيجيات الحفاظ علي البيئة وتحسينها وتطورها نحو الأحسن تتوافق إلي حد بعيد مع التنمية”(الحفار،1993،ص237).

***التربية والبيئة والتنمية

مما تقدم تتضح العلاقة بين البيئة والتربية والتنمية ويمكن إيجازها في ما يأتي

ـ التربية تقوم ببناء البشر وهذا البناء يتطلب كشف

ودون الخوض في تفصيلات ليس لها مجال بالبحث التربوي، إنما مجالها تخصصات أخرى، فأن من أهم المشكلات البيئية التي تتولد عنها التحديات التي تواجه المجتمع تتمثل في، مشكلة التلوث للماء والهواء والتلوث السمعي والإشعاعي وما ينتج عنها من أضرار صحية تلحق بالإنسان ،وما يلحق من ضرر بالثروة الحيوانية والسمكية والنباتية التي يعتمد عليها الإنسان في حياته ، واستنزاف الموارد الطبيعية وسوء استغلالها ،وعلي سبيل المثال للمشكلات البيئية التي تواجه المجتمع المصري ” أن عوامل التلوث أدت إلي تغير الخواص الطبيعية والكيميائية لمياه نهر النيل وهو شريان الحياة مما يؤثر بالتالي علي استخدامات مياهه المختلفة، وترتب علي ذلك انتشار الأمراض الخطيرة المرتبطة بتلوث المياه ، ومن أخطر هذه الأمراض الكوليرا والتيفود و التهاب الكبدي الوبائي والبلهارسيا “(شحاتة ، 2001،ص،207ـ208)،والمشكلة الأخرى التي تستحق المزيد من الاهتمام مشكلة تلوث الهواء حيث” تشير الدراسات إلي أن نسبة تلوث الهواء في مصر تزيد بمعدل حوالي 10 أضعاف الحدود القصوى المسموح بها في المناطق السكنية ، وأن تزايد نسبة ملوثات الدخان وثاني أكسيد الكبريت وما ينتج من مصادر التلوث المختلفة في طبقات الهواء السفلي قد أصبح يهدد صحة الإنسان المصري”(شحاته، 2001،ص210)،ولا يغفل جانب المشكلات البيئية العالمية التي تشترك في صنعها كل دول العالم وهي أيضا المطالبة بحلها منها ” المخاطر الناجمة عن ثقب الأوزون والتي تتمثل في زيادة تتراوح بين 5% إلي 20% من الأشعة فوق البنفسجية الواصلة إلي المناطق السكنية خلال الأربعين سنة القادمة ، والمعروف أن تلك الأشعة فوق البنفسجية التي تنبعث من الشمس تلحق الضرر بالبشر والحيوانات والنباتات” (عبد الجواد ، 1995، ص 23: 31) ، ومن خلال هذا العرض للمشكلات، لابد من إعادة النظر في العلاقة بين الإنسان والبيئة ، ويجب أن يتبنى الإنسان قيما بيئية جديدة. (شلبي،1984، ص 5)، وأنه ليس من بديل للتربية، لتحقيق هذه الرؤية ، وبناء القيم البيئية الجديدة ، و إعداد الإنسان القادر علي مواجهة هذه التحديات ، وحل المشكلات البيئية ، وليس علي التربية مواجهة التأثيرات والتحديات فحسب، إنما عليها أن تستشرف التأثيرات التي يمكن أن تنجم عن المستحدثات التكنولوجية ، ولا تدع تأثيراتها حتى تحدث ، بل تعمل علي تجنبها قبل حدوثها ، وتعمل علي حماية البيئة من أخطار التغيير التكنولوجي المتسارع، والتربية في سعيها نحو الحفاظ علي البيئة ، والتصدي لمشكلاتها لا يتأتى لها النجاح إلا عن طريق الوعي البيئي الذي تنشره بين أفراد المجتمع ، وعن طريق هذا الوعي يكتسب الفرد المعلومات والحقائق عن البيئة، وعن المشكلات البيئية ، ويتكون لديه الشعور بخطورة هذه المشكلات ، ثم يبدأ في ممارسة السلوك الإيجابي نحو البيئة ، والمشاركة في حل المشكلات ، ومن غير الممكن للتربية أن تواجه هذه التحديات ، أو تنجح في حل المشكلات البيئية دون تعبئة واستخدام إمكانيات المؤسسات التربوية كافة، ووسائل الإعلام من بين هذه المؤسسات التربوية التي لها القدرة علي تأدية دوراً تربوياً في نشر الوعي البيئي بين أفراد المجتمع .

***الإعــلام ونشــر الوعــي البيئــي

يحتل الإعلام مكانة هامة لدى المجتمعات اليوم، لأنه بفضل ما يمتلكه من تقنيات حديثة ، وقدرة واسعة علي الانتشار بين فئات المجتمع بمختلف مستوياتها الثقافية والفكرية والاجتماعية، أصبح الأداة المناسبة لتوجيه المجتمع ونقل المعرفة ، وأن كان الإعلام والاتصال ليس نشاطاً حديثاً ” فالاتصال هو النشاط الأساسي للإنسان ومعظم ما نقوم به حياتنا اليومية أن هو إلا مظاهر مختلفة لما نعنيه بالاتصال الذي يحدد بدوره معلم الشخصية الإنسانية ، من خلال ممارستها الاتصالية”( شرف،1989،ص16)، ولكن المقصود هنا هو ذلك التقدم الذي شهدته وسائل الإعلام والاتصال في العصر الحالي ، مما زاد من أهميتها ، ودورها في حياة المجتمعات، بل أصبح لهذه الوسائل قدرة السيطرة علي الأفراد والتأثير فيهم ، وبخاصة في القضايا المهمة ، وخلق رأي عام حولها ، ومن ثم فأنه في ما يختص بقضايا البيئة فأن”المهمة التي يمكن أن تضطلع بها وسائل الإعلام هي تحريك الاهتمام الجماهيري بجرائم البيئة وبلورة رأي عام قادر علي التصدي لها”(عبد النبي ، 1992،ص31)، فوسائل الإعلام من اكثر المؤسسات التربوية قدرة علي نشر الوعي البيئي بين أفراد المجتمع.

***الأهمية التربوية لوسائل الإعلام

التعرف علي أهمية وسائل الإعلام وخصائصها يكشف عن أهمية دورها التربوي ،”فالإعلام هو المحرك والمعبر عن مقومات النشاط الاجتماعي ، وهو الذي يعلو بالإنسان عن غريزته إلي المطامح الحضارية ، وهو المنبع المشترك الذي ينهل منه هذا الإنسان الآراء والأفكار ، وهو الرابط بين الأفراد ، والموحي إليهم بشعور الانتساب إلي مجتمع واحد ، وهو الوسيلة لتحويل الأفكار إلي أعمال”( المصمودي، 1985،ص 194) وهذا النشاط من نقل معرفي وتحويل المعرفة إلي سلوك ، ما هو إلا عمل التربية ، من ثم يمكن للإعلام أن يشارك مشاركة فعالة في نقل مفاهيم الوعي البيئي إلي الأفراد ، وينمي بينهم الشعور بأهمية الحفاظ علي البيئة التي يشتركون في العيش فيها ،خاصة وأنه ” من المعروف أن دور الإعلام ، مشارك أساسي في عملية التربية والتنشئة ، بل أصبح معروفا أن تأثير الإعلام قد يفوق تأثير المدرسة بحكم عوامل كثيرة ” (علي،1995،ص36) ومن هذه العوامل أن للكل وسيلة من وسائل الإعلام ما تتميز به من خصائص تختلف عن الأخرى مما يجعل لها أهميتها في الدور التربوي للإعلام ، و يمكنها من مخاطبة شريحة ما من شرائح المجتمع بشكل أفضل من غيرها ، ولهذا فأن نشر الوعي البيئي يحتاج إلي الوسائل المسموعة والمرئية والمقروءة ليصل إلي قطاعات المجتمع كافة، ” فنظرا لارتفاع نسبة الأمية في المجتمع تصبح للإذاعة أهميتها كوسيلة للتثقيف وجعلها تتميز عن غيرها من أجهزة الثقافة الأخرى، لأن الاستماع إلي الكلمة المنطوقة من الراديو لا يحتاج إلي معرفة بأصول القراءة والكتابة كما هو الحال بالنسبة للصحيفة “(جاد،1983، ص17)، وأن كانت فئات المجتمع جميعها في حاجة إلي التوعية البيئية ، فإن الفئة غير المتعلمة تكون من أشد الفئات حاجة إلي هذه التوعية، وأيضاً ما تشير إليه الدراسات من انتشار ” أجهزة الاستقبال الإذاعي في العالم والذي كان يوجد به عام 1969حوالي 653مليون جهاز راديو لاستقبال البرامج الإذاعية ، تشير التقديرات الحديثة أن عدد أجهزة الاستقبال الإذاعي في العالم تبلغ مليارا ومائتين واثنين مليون وثلاثمائة وستة عشر ألف وثلاثمائة وستة وثلاثين جهازاً”(العبد، 1997،ص163)، وذلك الانتشار يزيد من أهمية الوسائل المسموعة في نشر الوعي البيئي، ، وفي مجال الإعلام المرئي يصبح للتلفاز أهميته في مجال التوعية البيئية ، وذلك لانتشار أجهزة التلفاز كما ا، ” التلفاز أكتسب ميزة الصدق لاعتماده علي الصورة التي تتميز عن الكلمة المسموعة بأنها وسيلة إقناعية تضفي الصدق”(العبد،1997،ص175)، أما الصحيفة ” كونها رسالة تستهدف خدمة المجتمع والإنسان الذي يعيش فيه، وهي بهذا المعنى متصلة بالواقع الاجتماعي والاقتصادي في المجتمع الذي تصدر به الصـحيفة”(أبوزيد،1998،ص48) ، ومن ثم تصبح من بين أهدافها في مجال خدمة المجتمع والفرد التوعية بالبيئة ومشكلاتها . مما تقدم يتضح أن وسائل الإعلام مؤسسة تربوية ، وتمتلك القدرة علي القيام بدورها التربوي في نشر الوعي البيئي، وكان هذا وراء ظهور الإعلام البيئي كنتيجة لتفاعل وسائل الإعلام مع الإجراءات التي اتخذتها الدول والمنظمات العالمية والإقليمية بشأن مشكلات البيئة.

Please follow and like us:
Pin Share
RSS
Follow by Email