رمضان فى بيت لحم..عندما يمتزج دم المسيحى بالمسلم

رمضان فى بيت لحم..عندما يمتزج دم المسيحى بالمسلم
كتب/ أيمن بحر
في حى بيت ساحور بمدينة بيت لحم الفلسطينية يحمل شهر رمضان معه مبادرات متميزة..شبان فلسطينيون مسيحيون ومسلمون يحتفلون معاً بأجواء شهر رمضان، ويطلقون مبادرات نادرة تتحول الى عنوان للتآزر والتضامن.
جريس وجورج يجلسان فى غرفة بإحدى المستسشفيات فى مدينة بيت لحم وتتدلى منهما أوردة اصطناعية تنتهى عند وحدات الدماء، يتبرعان بدمائهما مع أصحابهما، مشهد أسبوعى خلال شهر رمضان بفضل مبادرة نظمها “الحراك الشبابى المسيحى” فى حى بيت ساحور شرقى المدينة، المبادرة أنقذت مصابين ولا تزال تجمع مستودعاً للدماء للحالات الطارئة.
ففى رمضان تكثر حوادث السير فى طرق الضفة الغربية وفى بعض الأحيان تكون هذه الحوادث دامية ما يحتاج المصاب فيها إلى وحدات من الدماء، جريس الأطرش عضو فى الحراك الشبابي الساحورى المسئول عن مبادرة التبرع بالدم فى شهر رمضان يقول”إن الصائم لا يستطيع التبرع بالدم، ومن هنا جاءت الفكرة، نحن 150 شاباً، كل أسبوع يذهب 20 من الى 30 شاب ويتبرعون بدمائهم لبنك الدم فى المستشفى”.
وتفاعل سكان حى بيت ساحور مع المبادرة، فأخذ الدم المسيحى بالسريان فى عروق المسلم، ولم تكن هذه المبادرة الوحيدة للحراك الشبابى الساحورى فهو يقوم بجمع التبرعات للمرضى من مختلف الديانات ثم يتم توزيعها عليهم حسب حالة وحاجة كل مريض.
لم تكن مبادرة التبرع بالدماء الوحيدة فى مدينة بيت لحم ترحيباً برمضان، فهناك “تكية ستنا مريم”، إذ تقدم وجبات غذائية ساخنة وطرود غذائية لآلاف الأسر المحتاجة من مختلف الديانات فى محافظة بيت لحم، تقول ساجدة علان إحدى المتطوعات فى التكية” ثلاثة من أعضاء اللجنة التى شكلت التكية مسيحيون، أكثر المتطوعين من الكشافة من مختلف الطوائف، يقومون بسكب الطعام وتغليفه وتسليمه للعائلات المستفيدة”.
وجمعت المبادرة شبانا مسلمين ومسيحيين كمتطوعين ومستفيدين، تضيف ساجدة “كمسلمة رأيت مفهوم التعايش جلياً فى تقديم أعمال الخير من الطرفين فى التكية”.
وفى هذا السياق يقول يوسف شاهين فى الخمسينات من العمر وهو مسيحى متطوع فى التكية”لا يوجد لدينا مسلم ومسيحى، فى عيد الميلاد المسلمون يوزعون الحلويات علينا، وفى عيدهم نزورهم ونهنئهم، أفراحنا وأحزاننا واحدة”.
فانوس ضخم نُصب في وسط الساحة التى تتوسط سوق “الشعب” فى حى بيت ساحور شرقى بيت لحم، يجذب أنظار المارة والمتسوقين، العبارات المكتوبة على جوانبه تتضمن تهنئة للمسلمين بقدوم شهر رمضان، تسرق التساؤلات، على الرغم من أن المكان يُذكِّر أكثر بالمناسبات المسيحية كعيد ميلاد المسيح ورأس السنة، فهنا تجمهر السكان قبل نحو خمسة أشهر يرددون بصوت عالٍ الأعداد تنازلياً من رقم 10 حتى الرقم 0، إيذاناً بالعام الجديد، الذي ملأت سماء أولى لحظاته الألعاب النارية.
فانوس رمضان جاء فى منطقة يطغى عليها الطابع المسيحى، فغالبية السكان من المسيحيين، الطريق المار بالساحة حيث نُصب الفانوس يوصل الى رام الله ونابلس والمناطق الشمالية من الضفة الغربية، كما أنه من المناطق التى يحلو لسكان المنطقة التجمع فيها بعد الإفطار، حيث تتداخل مسامرات رمضان الجميلة مع مناقشة الأوضاع الصعبة التى يجتازها الفلسطينيون خصوصاً فى غزة إثر الأحداث الدامية التي سقط فيها عشرات القتلى.
يبدو الطفل جورج متفاجئاً وهو يلاحظ أن مكان شجرة الميلاد التى مازال يتذكر أنوارها وألوانها أصبح يتوسطها مجسم ضخم، ويسأل جورج والدته عن الأمر، فتجيبه أنه فانوس شهر رمضان الذى يصومه المسلمون كل عام، فمثلما لدينا صيام وأعياد كذلك للمسلمين، ويقف جورج ليتأمل الفانوس.
الشابة المسيحية نداء أبو فرحة من بيت ساحور تتذكر عند رؤية الفانوس مشاركتها لزملائها وأصدقائها المسلمين الصيام وموائد الإفطار العام الماضى، ومنذ نصب الفانوس إنتشرت صوره على موقع التواصل الإجتماعى الفيسبوك، عبر منشورات يتبادلها الفلسطينيون للتهنئة بقدوم رمضان الذى يشيع البهجة والألوان والأضواء فى المدينة..بيد أن هذا العام يحمل معه للفلسطينيين ذكريات أليمة مع مرور سبعين عاما على “النكبة”
فكرة الفانوس نفذتها مجموعة شبابية من بيت ساحور تطلق على نفسها “البلد بتِعَمر بشبابها”، وتهدف إلى خلق جو رمضانى فى منطقة يقطنها 18فى المائة من المسلمين، يقول خليل هندى منسق المجموعة إن نحو 65 شاباً عملوا على تحضير ونصب الفانوس لإبراز المناسبة، مضيفا” يتجمع قرب الفانوس كل ليلة من 80- 90 شخصاً على الأقل”.
كثير من المسيحيين ينتظرون شهر رمضان لمشاركة أصدقائهم المسلمين فى شعائرهم، حيث آزر الأب ماريو حدشيتى ونادى الراعى الصالح المسلمين فى أول يوم من رمضان سكان مدينة أريحا على طريقته الخاصة من خلال توزيع المياه والتمر على الصائمين المتأخرين عن موائدهم على الإشارات الضوئية وقت آذان المغرب.
وإمتدت مبادرة ميشيل أيوب على مدار سنوات عدة ولا زال صداها يتردد على مسامع أهالى البلدة القديمة بعكا، فالفلسطينى الكاثوليكى تطوع للعمل كمسحراتى خلال شهر رمضان، إذ يصدح صوته فجراً منادياً “سبحان الحى القيوم، سبحان الدايم، إصحَ يا نايم، يا صايم وحد الدايم قوموا لسحوركم خلى رمضان يزوركم”.
ميشيل يعمل فى مجال البناء، ويرى أن تطوعه واجب عليه، فهو يتعامل مع الناس فى منطقته كبشر يعدهم إخوة له بعيداً عن الديانة التى ينتمون اليها، ويؤمن أن يسوع المسيح دعا للمحبة والسلام، “رمضان شهر الرحمة والمغفرة، شهر المحبة التى يجب أن تسود بين الجميع” كما يقول مضيفاً أنه لن يتردد فى أن يكون سبباً فى سعادة أى شخص”، ويرتدى أيوب خلال عمله كمسحراتى سروالاً عربياً تقليدياً مع شِملة دمشقية تلف خصره مسدلاً على كتفيه كوفية معتمراً عمامة بيضاء.
ونشر المركز المسيحى للإعلام فيديو يُظهر ميشيل أثناء تجواله لإيقاظ المسلمين على إيقاع طبله المنتظم وصوته الجهورى وردود فعل السكان على هذه المبادرة.
جوليا إيطالية الأصل متزوجة من شاب فلسطينى، قالت أنها حاولت مشاركة زوجها وعائلته شهر رمضان، فتدرجت بالصيام حتى باتت تشاركهم الآن الصيام وإعداد الطعام وتتناوله معهم بسعادة، مضيفة”أجواء رمضان مختلف البسطات تنتشر لبيع العصائر والقطايف والتمر، وفى صلاة التراويح يملأ صوت المؤذن المكان بأسره”.
أما يوسف فهو المسلم الوحيد وسط زملاء عمله المسيحيين، يقول”أكون سعيداً بالشعور بإحترام زملائى لشعائرى الدينية فهم يفضلون عدم تناول الطعام والشراب داخل المكتب خلال رمضان”، مضيفا أن زملاءه يبادرون بتنظيم إفطارات جماعية ويشاركونه الصيام.
هذه صورة من وحدتنا الوطنية، تظهر وقت الشدائد، بهذه الروح الطاهرة ستظل فلسطين والقدس عربية، ينصرها الله سبحانه وتعالى بيد أبناء العروبة إن شاء الله.

التعليقات مغلقة.

CLOSEX