يوميات والٍ … ” الحلقة الرابعة “

0 0

زهير دنقير ـ تونس الخضراء

لم تكن لنا خبرة.. هكذا قالوا ولكن…
مصنع للسردينة في قلب مدينة المنستير !!!!
في هذه الحلقة الرابعة من يومياتي كوال على المنستير زمن الترويكا اخترت لكم موضوعا يتعلق بالبيئة وبالتلوث وكيف يجد الوالي وهو أعلى سلطة جهوية نفسه مقيدا عاجزا عن إيقاف مشروع مخالف للقانون..
البداية كانت حركة احتجاج نفذتها أمام الولاية مجموعة من متساكني منطقة سطح جابر وهي منطقة سكنية قرب شاطئ القراعية بمدينة المنستير وقرب ميناء المدينة، فقمت باستقبال ممثلين عنهم قصد الوقوف على المشكل حيث أعلموني بأن أحدهم أقام مصنعا للسردينة في قلب الميناء الذي صار مصدرا لروائح كريهة لا تطاق حولت حياتهم إلى جحيم.. بصراحة تفاجأت بالمسألة لأن السابق في علمي أنه لا وجود لمصنع للسردينة في الميناء وهو أمر يمنعه القانون.. فقمت بطمأنة الوفد ووعدتهم بالتحرك سريعا من أجل تقصي حقيقة الوضع والقيام بتصحيحه حسب ما تمليه تراتيب السلامة البيئية والصناعية .
بادرت بتعيين لجنة مشتركة من الولاية ومن مندوبية الفلاحة ومن الصحة ومن البيئة والتجارة قامت بزيارة معاينة للمصنع المذكور وكان تقريرهم بصحة كلام المواطنين فقد وجدوا مصنعا يقوم بتعليب السردينة والأنشوة بكامل تجهيزاته ومرتبط بشبكة التطهير يديره أحد التونسيين بشراكة مع جهة إيطالية…
طلبت الملف الكامل لتلك المؤسسة من دائرة الشؤون الاقتصادية ومن الادارة الجهوية للتجارة المهتمة بالشؤون الصناعية أيضا وبتفحصه اكتشفت تجاوزات خطيرة في صفة الشركة وتركيبتها ومهامها ونشاطاتها حيث أنها نالت أول موافقة بعنوان تأسيس مصنعا لقشور الثلج ينتفع به البحارة بشراكة تونسية إيطالية (الخمس نصيب الجهة الإيطالية) ولكن في فترة لاحقة قام الشركاء بعقد مجلس إدارة وقرروا خلاله تغيير نسب الشراكة (صار التونسي يملك الخمس والجهة الإيطالية 80 بالمائة) وتحول النشاط من صناعة قشور الثلج إلى ” صناعة الثلج وتعليب وتحويل وصيد كافة المنتوجات البحرية” تمت هذه العملية في سنة 2007 حسب محضر الجلسة ولكن يبدو أن الانطلاق الفعلي في النشاط كان سنة 2013 فاكتشف المواطنون المسألة .
طلبت توضيحات من آمر الميناء عن كيفية ربط المصنع بالتطهير وعن كيفية ممارسة الجماعة لذلك النشاط فلم يقنعني بإجابته علما أن مسؤول التطهير لم يكن ليربط دون موافقة آمر الميناء .
قمنا بزيارة ثانية للمصنع قصد تدوين الوضع القائم وقمنا بمراسلة الإدارة العامة للسلامة بوزارة الصناعة بحكمها الجهة الوحيدة المخول لها اتخاذ القرارات في مثل هذه الوضعيات فلم تكن لدى الوالي الصفة القانونية للتدخل ولكن رغم ذلك تحركنا من جانب التطهير ومن الجانب الصحي لتعطيل الانتاج مؤقتا وانطلقت رحلتنا مع وزارة الصناعة حيث تمسكنا بضرورة تسريع الإدارة العامة للسلامة بإيفاد ممثلين لها لأخذ تقريرهم بعد معاينة المصنع وهو ما تم وقد التقيتهم في مكتبي وأمددتهم بكل التفاصيل وبنسخ من الوثائق التي كانت لدينا .. صاحب المصنع التونسي لم يسكت وتحرك في كل الجهات وقد اتهمني في إحدى شكاياته بأني سأجعل من ما يقارب 100 عاملا بدون شغل وتبين فيما بعد حسب جرد طلبته من الصدوق الوطني للضمان الاجتماعي بأن تلك الشركة معلنة عن عاملين فقط وقد وصل الأمر إلى سفارة إيطاليا حتى أنها قامت بمراسلتي تستفسر عن سبب ازعاجي لأحد المستثمرين الإطاليين بكثرة لجان التفقد التي أرسلتها إليه وكلام آخر يمنعني واجب التحفظ من ذكره وقد تآذيت من ذلك الخطاب ولكني لم أوجه لهم ردا بل قمت باعلام وزارة الداخلية بكل الوقائع وامتنعت عن الرد على السفارة التي طلبتني أكثر من مرّة .
وتابعت المسألة بحرص كبير مع الإدارة العامة للسلامة بوزارة الصناعة الذين أعلموني بأنهم متفقون معي في مخالفة النشاط للقوانين المعمول بها وأن تلك القوانين تمهله شهرين لتصحيح وضعه وإلا سيكون الإيقاف النهائي للنشاط الملوث وأن من شروط الموافقة رأي السلطات الجهوية .. مهلة الشهرين تنتهي يوم 1 جانفي 2014 ..في اليوم الموالي اتصلت بالإدارة العامة فأعلمني المكلف بالملف أن المستثمر لم يصحح وضعه وقرار إيقاف النشاط سيمضى في يومها…وهو ما تم فعلا وصار من حق المواطنين العيش مثل بقية الخلق..
ملاحظة أولى: خلال مدة الشهرين اتصل بي السيد مهدي جمعة الذي كان وزير الصناعة حينها يستفسر عن الاشكال وعن سوء الفهم مع سفارة إيطاليا فأعلمته أنني موظف عند وزارة الداخلية والحكومة التونسية وهي الجهة الوحيدة المخول لها مساءلتي مباشرة وما قمت به من عدم الرد يتنزل في إطار السيادة الوطنية ..فطلب مني تمكينه من ملف المصنع كاملا وكان له ذلك ..
ملاحظة ثانية: مثل هذه المصانع المصنفة ملوثة خصصت لها الدولة أماكن معينة يمكنها الانتصاب بداخلها وهناك قرار بإخراج كل ما تبقى منها من الموانئ ومن محيطها..
ربما تنقصنا الخبرة ولكن بداخلنا وطن ينبض..
إلى حلقة قادمة أصدقائي

اترك تعليقاً

CLOSEX
عــاجل